نحو ثقافة قانونية: قراءة في مشروع قانون الأحوال الشخصية المقترح2/2: التأسلم قانونياً


عبد الله علي

المقصود بالتأسلم، كما هو واضح، أن يخرج شخص من دينه ليدخل دين الإسلام. ومعلوم أنّ تغيير الدين بهذا الشكل تترتّب عليه آثار قانونية هامّة تمسّ الحياة الشخصية والروابط العائلية، وما يتعلق بها من التزامات شرعية وقانونية للشخص المتأسلم.

والبحث في عملية التأسلم وآثارها شديد الترابط مع الموضوع الذي درسناه في الجزء الأوّل من هذه الدراسة، تحت عنوان “اختلاف الدين والردة”، بل هو في الحقيقة مكمّل له ومتمّم، وسوف تكون الدراسة ناقصة دون أن نعرّج عليه.

ففي المقالة السابقة درسنا حالات الاختلاف الديني المتوافرة ابتداءً، أي قبل انعقاد الزواج بين الرجل والمرأة المتغايرين دينياً. أما التأسلم فإنّه يهتمّ بموضوع الاختلاف الديني الطارئ بعد انعقاد الزواج بين رجل وإمرأة كانا متماثلين في الانتماء الديني ثمّ قرر أحدهما تغيير انتمائه لدخول دين آخر.

في البداية يجدر بنا أن نشير إلى أنّ مشروع القانون المقترح، متطابقاً في ذلك مع القانون الحالي المعمول به، لا يسمح بتغيير الدين إلا باتجاه الاسلام فقط، أمّا تغيير المسلمين دينهم فيغدو من قبيل الردّة التي تخرجهم، ليس من حظيرة الإسلام وحسب، بل من حظيرة الأديان السماوية بأكملها. ونحن نعتقد أنّ تبنّي مشروع القانون لمفهوم الردّة ينطوي على انتهاك واضح لأحكام الدستور السوري التي تضمن حرية الاعتقاد، ولا سيما نص المادة 35 التي تنصّ على أنّ: “حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان”. واحترام الدولة جميع الأديان يقتضي منها أن تساوي بين هذه الأديان، وألا تفضل ديناً على دين لأيّ سبب كان، وبالتالي يغدو قيام مؤسسات الدولة بسنّ تشريع يميّز بين الأديان في التعامل وخاصة لجهة السماح لأتباع دين بتركه والدخول بدين آخر واستثناء الإسلام من ذلك، أمراً يدحض الاحترام المزعوم والمساواة المفترضة. ويبدو الأمر وكأنّ هذه المؤسسات التشريعية تنصّب من نفسها داعية وحارسة لدين الإسلام على حساب الأديان الأخرى، وهذا مناف كما نعتقد لمقاصد الدستور التي حضّت على احترام وحماية جميع الأديان دون تفاضل بينها.

نسجّل هنا إذاً، أنّ إيراد أحكام التأسلم في مشروع قانون الأحوال الشخصية المقترح يشكل مخالفة دستورية، لأنّه يميّز بين الأديان ويضع الاسلام في مركز قانوني أسمى من بقية الأديان، وهو ما نعتقد أنه يتناقض مع واجب الدولة في احترام جميع الأديان سواء بسواء. وكان الأفضل أن يتيح القانون لكلّ المواطنين أياً كانت انتماءاتهم الدينية أن يغيّروا أديانهم سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، فهذا على الأقلّ يضمن المساواة ويوحي بالاحترام المنصوص عليه دستورياً.

وليست هذه المخالفة الوحيدة التي وقع فيها واضعو مشروع القانون، فسوف نشير تالياً إلى مخالفة جسيمة لا ينبغي أن يقع بها مشرّع، ولكن قبل ذلك سوف ننتقل إلى الأحكام الواردة في مشروع القانون والمتعلقة بالتأسلم وآثاره. وقد وردت هذه الأحكام في المواد التالية:

المادة230
1- إذا كان الزوجان غير مسلمين فأسلما معاً فالزواج باقٍ بينهما.
2- إذا أسلم الزوج وحده وزوجته كتابية فزواجهما باقٍ ولها طلب الفسخ خلال ثلاثة أشهر من تاريخ علمها بإسلامه.
3- إذا كانت غير كتابية عُرض عليها الإسلام فإن أسلمت أو اعتنقت ديناً سماوياً خلال شهر واحد فزواجهما باقٍ وإن أبت أو امتنعت عن إبداء الرأي بعد إعلامها فسخ الزواج بينهما.
4- إذا اسلمت الزوجة وحدها يعرض الإسلام على الزوج إن كان أهلاً له، فإن أسلم خلال شهر واحد فزواجهما باقٍ وإن أبى أو امتنع عن إبداء الرأي بعد إعلامه فسخ الزواج بينهما.
5- إن كان الزوج غير أهل للعرض فسخ القاضي الزواج بينهما دون عرض، واعتدّت الزوجة، فإذا صار أهلاً وأسلم قبل انقضاء العدّة، يلغى الفسخ وتعود الزوجية حكماً.

المادة231
يشترط لبقاء الزوجية في الحالات السابقة ألا يوجد سبب من أسباب التحريم.

المادة232
في جميع الأحوال التي يسلم فيها أحد الزوجين أو كلاهما أمام المحكمة الشرعية. لا يجوز البحث في صدقه في إسلامه ولا في الباعث على الإسلام.

المادة233
إذا ارتدّ الزوج قبل الدخول فسخ القاضي الزواج وإذا وقعت الردّة بعد الدخول وعاد إلى الإسلام خلال العدّة عادت الزوجية ولها الفسخ.

المادة234
ردّة الزوجة وحدها لا توجب فسخ الزواج.

ويمكن إيراد الملاحظات الهامة التالية على هذه المواد:
أولاًـ تمييز المشروع بين ردّة الرجل وردّة المرأة، فاعتبر أنّ ردّة المرأة خلافاً لردّة الرجل لا تستوجب فسخ الزواج وهذا يتناقض مع أحكام المشروع نفسه بخصوص بطلان الزواج من غير كتابية. فالمسلمة التي ترتدّ عن الاسلام ولا تدخل في دين سماوي تغدو غير كتابية وبالتالي فإنّه حسب نص الفقرة 3 من المادة 230 يتوجب الحكم ببطلان زواجها ما لم تدخل في دين سماوي خلال شهر فكيف قضى مشروع القانون في الفقرة بأن ردّة المرأة لا تستوجب فسخ الزواج علماً أن المادة 63 اعتبرت هذا الزواج باطلاً؟ أليس في ذلك تناقض جسيم ينبغي إزالته؟

ثانياًـ زواج المسلمة من غير مسلم باطل، وزواج المسلم بغير كتابية باطل، والزواج من المرتدّ أو المرتدّة باطل، والبطلان هنا يعني انعدام ركن من أركان عقد الزواج حسب ما ذهب إليه واضعو مشروع القانون وبالتالي ينبغي التفريق فوراً بين الطرفين إلى حين صدور حكم في الموضوع من قبل المحكمة الشرعية. هنا يثور تساؤل كبير حول المهلة التي منحها مشروع القانون لتسوية الانتماء الديني لأحد الزوجين وهي المهلة المنصوص عنها في الفقرات 2و 3 و4 من المادة 230، والتساؤل هو: هل تسوية الانتماء الديني يقلب العقد الباطل إلى عقد صحيح بأثر رجعي؟ ألا يحتاج البطلان لتصحيحه إلى عقد جديد؟

ثالثاًـ أجاز مشروع القانون لغير المسلم الدخول في الاسلام بغض النظر عن صدق نواياه وحقيقة الدوافع التي دفعته للتخلي عن دينه واعتناق دين الاسلام. وعليه يكون التأسلم صحيحاً ومعترفاً به قانوناً حتى ولو كانت الغاية منه مادية بحتة كالاحتيال مثلاً على قواعد الميراث أو التخلص من التزاماته الزوجية. ولا يخفى ما ينطوي عليه ذلك من نزول بالاسلام إلى رتبة الأداة التي يتم استغلالها للوصول أحياناً إلى غايات تتنافى مع الحق والعدل والتعامل السليم.

وأخيراً لا يسعنا إلا أن نقول بأن مشروع القانون سواء للأسباب التي ذكرناها أو لأسباب أخرى لم يتسنّ لنا ذكرها يعتبر انتكاسة خطيرة للمجتمع السوري والروابط العائلية والوشائج الدينية وقيمة الإنسان، ونأمل بحقّ ألا يجد هذا المشروع طريقه إلى التصديق والإقرار في مجلس الشعب.

المصدر: نساء سوريا

Advertisements

8 Responses to نحو ثقافة قانونية: قراءة في مشروع قانون الأحوال الشخصية المقترح2/2: التأسلم قانونياً

  1. khalled كتب:

    (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
    صدق الله العظيم وكذب من خالفه.

    • حسين غرير كتب:

      السيد خالد،
      لسنا هنا في معرض مناقشة أي معتقد ومن بينها الإسلام، وبالتالي لسنا في معرض نقاش وإيراد الآيات من القرآن.
      نحن نناقش قانون دولة ينتمي إليها مواطنون من أديان وقوميات مختلفة، وينص دستورها على المساواة بين المواطنين بغض النظر عن اختلاف الأديان والقوميات والجنس.

  2. اللجي كتب:

    عندما يسلم شخص فان النيات لله ونحنوا البشر علينا بالظاهر من اسلامه…..

    • حسين غرير كتب:

      عزيزي اللجي،
      كلامك صحيح تماماً، ولكن هذا في مجال الاعتقاد الشخصي والعلاقة مع المحيط للشخص الذي أسلم، أما أن يجعل القانون الإسلام مطية لهذا وذاك لتحقيق مصالح خاصة فهذا ما لا يجب أن يقبله المسلمين (من وجهة نظري)

  3. غريب كتب:

    “نسجّل هنا إذاً، أنّ إيراد أحكام التأسلم في مشروع قانون الأحوال الشخصية المقترح يشكل مخالفة دستورية، لأنّه يميّز بين الأديان ويضع الاسلام في مركز قانوني أسمى من بقية الأديان، وهو ما نعتقد أنه يتناقض مع واجب الدولة في احترام جميع الأديان سواء بسواء.”

    اذا المطلوب هو السماح للمسلم بتغيير دينه !!!!!

    هذا اعتداء صارخ على تعاليم الاسلام …..فهذا يعني انني يمكنني ان اعتنق الاسلام متى اشاء واعود عنه متى اشاء وهذا تماما يخدم الفكرة التي استنكرتها انت في ثالثا
    “وعليه يكون التأسلم صحيحاً ومعترفاً به قانوناً حتى ولو كانت الغاية منه مادية بحتة كالاحتيال مثلاً على قواعد الميراث أو التخلص من التزاماته الزوجية. ولا يخفى ما ينطوي عليه ذلك من نزول بالاسلام إلى رتبة الأداة التي يتم استغلالها للوصول أحياناً إلى غايات تتنافى مع الحق والعدل والتعامل السليم.”

    فان حرمة العودة عن الاسلام تدفع الانسان للتفكير الف مرة قبل اعتناق الاسلام ويمنع حصول الاستغلال للدين والذي نستنكره جميعا

    ومن وجهة نظر اخرى فان السماح للمسلم بتغيير دينه يضع البلد فريسة سهلة لغزو المبشرين من البلاد الاجنبية…..واعتقد هذا لوحده كفيل بزعزعة استقرار بلدنا واثارة النعارات الطائفية

    ” تمييز المشروع بين ردّة الرجل وردّة المرأة، فاعتبر أنّ ردّة المرأة خلافاً لردّة الرجل لا تستوجب فسخ الزواج وهذا يتناقض مع أحكام المشروع نفسه بخصوص بطلان الزواج من غير كتابية.”

    المقصود من الفقرة السابقة ان الردة الى دين سماوي لا تبطل الزواج …اما بخصوص ردتها الى دين غير سماوي فهي بذلك تخضع الفقرة 3 من المادة 230

    اي هنا اصبح لدينا رجل مسلم متزوج من امرأة غير كتابية وهنا يبطل الزواج ..

    اخيرا لا يجب ان ننسى ان الاغلبية العظمى من سكان البلد مسلمون ……… على الاقل يجب احترام تعاليم الاسلام في اي قانون للاحوال الشخصية , حتى لا نفتح المجال اما الفتن والنعرات الطائفية

  4. حسين غرير كتب:

    سيد غريب،
    – بالنسبة للسماح بتغيير المسلم لدينه: أولاً لا أتفق مع مقولة أنه منافٍ للإسلام، لكن ليس هذا موضوعي. نحن نتحدث عن قانون لجميع (المواطنين) إن كان لدينا أي قناعة بما يسمى بالمواطنة، فالمواطنة تعني المساواة بين الناس أمام (القانون) وليس أمام شريعة أي فئة على حساب الفئات الأخرى. وبالتالي، لا (يحق) للقانون أن يبيح لغير المسلم أن يغير دينه إلى أي دين آخر بما فيها الإسلام، وبنفس الوقت يمنع هذا عن المسلم، فهذا ليس من ضمن اختصاصه. فإن فعل القانون ذلك (وهو للأسف يفعل حتى الآن) فهو يقوم بترتيب الأديان على درجات فيها الدين الأفضل فالأدنى فالأدني…الخ. لا أعلم إلى كم درجة يمكننا أن نقسم سوريا.
    – بالنسبة لردة الزوجة: في كل المشروع كان المقصود بالردة هي الخروج عن الإسلام بغض النظر عن الوجهة، فلماذا هنا بالذات نريد أن نفهم ردة الزوجة بأنها إلى دين سماوي آخر؟ لم يحدد القانون في المادة ٢٣٤ أن الردة المقصود بها هي إلى دين سماوي آخر. وبالتالي أثبت التناقض مع الفقرة ٣ من المادة ٢٣٠.
    – طبعاً لا يجب أن ننسى أن دين الأغلبية (في الحقيقة ليست عظمى) من سكان البلد مسلمون، لكن هذا لا يعني فرض تشريعات هذه الأغلبية على الآخرين وجعلهم أدنى مرتبة، من هؤلاء الأغلبية. احترام تشريعات كافة فئات المجتمع تقتضي مقارة أخرى يجلس فيها الجميع لتحديد ماذا يمكن عمله للخروج بقانون يحمي مصالح جميع الناس دون استثناء.

  5. khalled كتب:

    بارك الله بهذا الأخ الغريب …

    ولي تعليقات على كلام المدون :

    ” بالنسبة للسماح بتغيير المسلم لدينه: أولاً لا أتفق مع مقولة أنه منافٍ للإسلام”

    قال صلى الله عليه وسلم 😦 من بدل دينه فاقتلوه).

    هداك الله لاتتكلم بغير علم في الدين فلا يشترط إتفاقك .

    ” لكن هذا لا يعني فرض تشريعات هذه الأغلبية على الآخرين”

    بالمناسبة نسبة المسلمين في سوريا 85% وبهذه النسبة

    وبالديمقراطية التي تتغنون بها يحق للمسلمين سن مايرونه

    مناسباَ من التشريعات فمن المعلوم أن الأغلبيةالشعبية وما ينتج

    عنها من أغلبية برلمانية هي التي تحكم بشكل مباشر أو غير

    مباشر …

    وامر أخر لم أشأ أن أناقش كثرة الأخطاء في معلوماتك

    الدينية لأنك اذا لم تكن عالماً بأصول الدين فكيف تعلم

    بالفروع كما أنني لا أعلم ماذا تبقى لديك من ثوابت دينية!

    نقطة أخيرة :

    أريد منك أن تسأل لي رئيسات الجمعيات النسائية التي تنشر لهم

    لماذا يخرجون علينا على هيئة العوانس المكفهرات الوجوه

    الناكشات شعورهن على أسوء صورة يتخيلها رجل لإمرأة …

    بصراحة شي بيرعب هنن يبطلوا يرعبونا ورح نعطيهم حقوق الرجل

    وحقوق المرأة .:))

  6. حسين غرير كتب:

    الزائر خالد:
    أثناء قراءتي لتعليقك كنت أحضر الإجابات، لكن لم أر ضرورة للتعليق بعدما قرأت في آخر جملة، فقد أصبح من الواضح لدي كيف تنظر إلى المرأة، تريدها كجارية حاضرة الجمال والزينة طول الوقت ولا يهمك ما تقول وكيف تفكر وماذا تكتب، أي أنك ببساطة لاتنظر إليها كإنسانة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: