الفلسطينيون بين مطرقة السلطة وسندان حماس وأنياب إسرائيل

29 يوليو 2009

قبل ستة عشر عاماً وقعت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات اتفاقية أوسلو “للسلام” مع الإسرائيليين، وتلاها اتفاقيتا كامب ديفيد وطابا. وكنتيجة لهذا الاتفاق تم ابتكار السلطة الفلسطينية التي كان من أولى مهامها الحفاظ على أمن إسرائيل من تهديدات المقاومة الفلسطينية، كما تحملت عبء إدارة شؤون السكان في الضفة الغربية التي مازال الإسرائيليون يحتلون 97% منها وحتى الباقي تخضع لسيطرتهم المباشرة. لم يجن الفلسطينيون شيئاً من تلك الاتفاقيات سوى مزيد من الفقر وتدني مستواهم المعيشي وسلب أراضيهم من قبل الجيش والحكومة والمستوطنين الإسرائيليين ليصبحوا معزولين في كانتونات مخنوقة بمئات الحواجز والمستوطنات والطرق الموصلة إليها التي لا يحق لهم عبورها ناهيك عن جدار الفصل. ومما زاد الطين بلة الفساد الضارب جذوره في السلطة واحتكار التجارة والاقتصاد الهشين أساساً من قبل ثلة من المتنفذين وأعوانهم. والثمن الذي دفع ويدفع إلى الآن ثمن البقاء في السلطة هو “فلسطين” وحياة الفلسطينيين. أقرأ باقي الموضوع »


السلام بعيون صهيونية

15 يونيو 2009

ها قد جاء أخيراً خطاب نتنياهو يفجر في وجه المعتدلين العرب كذبه السلام وكذبه حل الدولتين، فماذا قال:

“أساس النزاع هو رفض اعتراف العرب بحق الشعب اليهودي بالعيش على أرضه التاريخية”

“الفلسطينيون يطرحون مطالب لا تستقيم مع عملية السلام”

أقرأ باقي الموضوع »


تساؤلات حول الصراع العربي-الإسرائيلي

13 يونيو 2009

ربما يتضمن العنوان بحد ذاته سؤالاً كبيراً: هل الصراع عربي – إسرائيلي أم فلسطيني – إسرائيلي؟

لإنعاش الذاكرة فقط: قبل أكثر من ستين عاماً قامت العصابات الصهيونية باحتلال أجزاء من فلسطين وارتكبت خلال ذلك المجازر المروعة فقتلت المئات وهجرت عشرات الآلاف. ثم جاء قرار تقسيم أرض فلسطين التاريخية ليقيم ما يسمى دولة إسرائيل على جزء منها وما تبقى يكون للعرب، لكن العرب رفضوا هذا القرار لأنه ليس من المنطق أن تأتي عصابات وتقتل وتهجر أهل الأرض ومن ثم يصدر قراراً دولياً مما يسمى الأمم المتحدة ليعطي الشرعية لهذا الاحتلال الدموي.

أقرأ باقي الموضوع »


محور الاعتدال الصهيو-عربي

29 يناير 2009
  • صرحت ليفني من باريس أن حماس تمثل مشكلة للجانب الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية وعدد من الدول العربية، كما أنها قالت بأن إسرائيل تعمل على استهداف حماس لمساعدة السلطة.
  • قال حسني مبارك عقب لقائه رجب طيب أردوغان أن مصر تحملت الكثير من أجل القضية الفلسطينية منذ عام 1948 وأنها ضحت بأكثر من 120 ألف شهيد وأنفقت المليارات.

يبدو أن ليفني حسمت الأمر ورأت أنه لم يعد هناك داع لإخفاء التحالف المعقود مع محور الاعتدال العربي، وأعلنت أن إسرائيل تصفي حماس، أو تضعفها على الأقل، تحقيقاً لمصلحة جماعية. هذا يعني أن مصالح إسرائيل أخذت تتقاطع أكثر فأكثر مع مصالح هذا المحور، مما يجعلها أحد أركان هذا المحور بل في المركز، حيث تمثل هي الذراع العسكري له والجاني الأكبر للغنائم بينما يقوم حلفاؤها العرب بترتيب الأوضاع العربية لقبول أساليب التنفيذ ونتائجه مقابل تحقيق مصالحهم في ضمان أمنهم القومي (الأمن القومي في عرفهم هو أمن أنظمتهم). وبذلك لم يعد من المناسب تسمية هذا المحور بالعربي بل يجب أن يدعى من الآن محور الاعتدال الصهيو-عربي.

هذا المحور هو آخر فصل وصل إليه مشروع الشرق الأوسط الكبير وإلى جانبه مسألة الصراع العربي-الإسرائيلي، والذي بدأ يأخذ ملامحه النهائية عندما سهلت بعض الدول العربية احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ثم سكتت هذه الدول على اغتيال ياسر عرفات عندما بدأ يميل مرة أخرى إلى نهج المقاومة، وبعد عرفات قامت بضمان وصول محمود عباس إلى رأس السلطة، لكن ما لم يكن في الحسبان هو نجاح حماس في الانتخابات، فبدأت هذه الدول منذ اليوم الأول وبمساعدة عباس وإسرائيل وكل الدول الديمقراطية في العالم الغربي بوضع العصي في عجلة نجاح حماس في تولي السلطة. فأصبحت حماس، وخاصة بعد سيطرتها على السلطة في غزة، هي العدو الأول للمحور الصهيو-عربي إلى جانب حزب الله الذي أفشل كل الجهود التي بذلت لإسقاطه عسكرياً وسياسياً.

وجد النظام المصري نفسه، ومعه بعض الأنظمة العربية، تحت القصف المباشر من قبل الشعوب العربية عامة وشعب مصر خاصة متهمين بالخيانة ودون مداورة، فلم يكن أمام حسني مبارك إلا أن يلجأ إلى التاريخ ويستحضر منه التضحيات المصرية من أجل فلسطين ليحاول حماية رأسه. لكن نسي أن يخبرنا حسني مبارك، لماذا قدمت مصر هذه التضحيات؟ ومع من كانت المعركة؟ لا أجد بداً من تولي الإجابة عنه.

عندما استشهد أول عربي على أيدي جيش الكيان الصهيوني لم تكن حماس قد ولدت بعد، بل لم يكن لحماس أو حزب الله أن يخلقا لولا وجود ما يدعى بإسرائيل واحتلالها الأراضي العربية. إذاً، يمكننا أن نستنتج من كلام مبارك أن الكيان الصهيوني هو العدو الحقيقي والذي اقتضى وجوده تقديم التضحيات الجسام من قبل شعب مصر. هذا يكشف كل الادعاءات الزائفة لمحور الاعتدال الصهيو-عربي. فلم تنتظر هذه العصابة أن يقصفها أحد بالصواريخ حتى ترتكب المجازر في حيفا ويافا ودير ياسين. ولو لم يوجد هذا الكيان لما وجدت المقاومة، ولو لم يسلب الأرض ويعتدي على الإنسان لما وجهت له المقاومة الضربات. إذاً بطلت الحجة على حماس وعلى أي فصيل مقاوم آخر.

إذاً، لدينا مجموعة من النقاط التي يجب النظر إليها جيداً: إسرائيل هي العدو الذي ضحى العرب في قتاله بمئات الآلاف من الشهداء، واتهام زعماء محور الاعتدال حماس بأنها سبب المجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة، واعتراف ليفني بأن حماس تمثل مشكلة ليس فقط لإسرائيل بل للسلطة الفلسطينية وعدد من الدول العربية، وإعلان ليفني الحرب على غزة من القاهرة وبحضور وزير خارجية مصر. إن دل ذلك على شيء فيدل على صحة القول بمحور الاعتدال الصهيو-عربي وليس محور الاعتدال العربي، كما أنه يؤكد أن بعض الدول العربية ترغب وبشدة بحذف حماس من المعادلة الفلسطينية كما أرادت ذلك مع حزب الله في لبنان. ومع النظر بدقة أكثر نجد أن المطلوب هو تصفية كل أشكال المقاومة ضد إسرائيل ووضع نهاية لآخر جولات ما كان يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي.

رغم أن السبب الرئيسي لعداء بعض الأنظمة العربية لحماس ولحزب الله ولغيرهما (في العراق) هو معاندة هذه الحركات والأحزاب لمشروع السيطرة الأمريكي-الإسرائيلي على المنطقة الذي يتمتع بحماية تلك الأنظمة نفسها، رغم ذلك إلا أنه لا يجب نسيان أسباب أخرى والتي تكون أحياناً خاصة بنظام معين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عبر النظام المصري مراراً عن رفضه لوجود إمارة إسلامية على حدوده، وإعلامه هو أول من روج لكلمة حماسستان، ذلك لأن حماس تعتبر الفرع الفلسطيني لحركة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر، ولا يخفى على أحد خطر وجود إخوان قوية في فلسطين إلى جانب إخوان تتزايد قوتها في مصر. لكن الخطر على من؟ طبعاً على النظام المصري، والذي يقولون أنه الخطر على أمنهم القومي. كما، أن وجود مقاومة تقارع إسرائيل وتحقق الانتصارات عليها (رغم الكلفة البشرية المرتفعة والتي لا بد منها في تاريخ الشعوب الساعية للتحرر) يجعل الشارع العربي يطرح الأسئلة المحرجة على أنظمته حول انكفائها عن مقاومة إسرائيل وإحجامها عن دعم المقاومة بحجة أن العرب غير مستعدين ولا يمتلكون إمكانات المواجهة.

فهل هو سوء حظ بعض الأنظمة العربية وخاصة النظام المصري أن تصاعدت وتيرة غليان الشارع العربي في وجهها وهناك احتمال أن يحدث تغيير حقيقي على الأرض في حال استمرت إسرائيل بارتكاب المجازر؟ أم هو سوء طالع الكيان الصهيوني بأن أعاد الصراع إلى مربعه الأول من جديد، ولم يعد يتكلم الشارع العربي ولا حركات المقاومة ولا حتى بعض الأنظمة العربية (حتى لو متاجرة بالدم الفلسطيني) عن سلام مع إسرائيل وعن حدود 67، بل عن قضية وجود إسرائيل بحد ذاته. أعتقد أنه خطأ في حسابات محور الاعتدال الصهيو-عربي؟

ملاحظة: كتبت بتاريخ 2/1/2009


المصالحة الفخ

20 يناير 2009

جاءت المصالحة العربية-العربية في قمة الكويت الاقتصادية حدثاً غير متوقعاً لأحد دون استثناء، فلم تكن في حساب احتمالات السياسيين أو المحللين على السواء، هذا الاحتمال كان يساوي احتمال أن تنحاز الإدارة المنصرمة في اللحظات الأخير لمصلحة الفلسطينيين.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد علل البعض بأن أحد أسباب اتجاه المملكة السعودية، ومعها محور الاعتدال العربي إلى المصالحة، هو الاتجاه الجديد الذي من المحتمل أن تأخذه الإدارة الأمريكية الجديدة، بقيادة أبو حسين أوباما، من مشاكل الشرق الأوسط والذي لن ترى فيه محور اعتدال ومحور ممانعة كما كانت تصنفه الإدارة السابقة. وبالتالي فلن يكون من المفيد للدول العربية وخاصة المعتدلة منها أن تبقي على الاستقطاب القائم. لكن ألم تكن تعلم تلك الدول أساساً أن أوباما سوف يتسلم رأس السلطة في العشرين من شهر المجزرة؟ أولا يعرف حكامنا أن السلطة في أمريكا لا تختصر في شخص الرئيس، وبالتالي لا يستطيع هذا الأخير مهما كان مختلفاً أن يغير اتجاه المركب بين ليلة وضحاها؟. كما أن البعض عزى هذا الاتجاه التصالحي الشديد النعومة إلى فشل العدوان الصهيوني على غزة في تحقيق أهدافه، وإلى الصفعتين على ذات اليمين وذات الشمال اللتان وجهتا إلى الرئيس حسني مبارك والمتمثلتان باتفاق ليفني- رايس الأمني وبإيقاف العدوان دون أي الأخذ بعين الاعتبار الجهود التي بذلها الرئيس في سبيل تركيع المقاومة الفلسطينية وخاصة حماس.

كان من الممكن في الواقع التنبؤ بهذه المصالحة وحتى قبل قمة الكويت، في قمة قطر أو حتى قبل ذلك في حرب تموز على لبنان، لو أننا فقط كنا نتكلم عن أنظمة تمثل شعوبها حقيقة، أي عن سلطة في دولة وطنية. لكن للأسف نحن أمام حكام اختصروا الدول في أشخاصهم الكريمة، فأصبحت الخلافات شخصية ويمكن حلها بمجرد تقبيل الشوارب العربية. إن ما يجعل هذا الاستعراض الذي رأيناه في قمة الكويت مدعاة للشك العميق، هو أن الخلافات الكثيرة والكبيرة، من حزب الله-14 آذار وفتح-حماس إلى العراق مروراً بـ فلسطين-إسرائيل و إيران-أمريكا، لا يمكن حلها في ساعات قليلة هكذا. ونحن الشعوب العربية أول المعنيين بعدم بتصديق هذه الظواهر الماوراء- طبيعية، لأنها فخ نصب لنا وللمقاومة أولاً وأخيراً. لأنه وببساطة يحاول احتواء وتطويق غضب الشارع العربي وتعطيل قدرة المقاومة على حصد نتائج نجاحها في إفشال تحقيق أهداف العدوان الصهيوني.

كان فشل الحرب على  غزة مرجحاً بعد اليوم الخامس من القصف الجوي ونفاذ بنك الأهداف وبدء طائرات العدو بتكرار قصف نفس الأهداف عدة مرات، وأخذ هذا الفشل يتأكد أكثر مع اضطرار جيش الاحتلال إلى البدء بغزو بري، وزاد احتمال الفشل إلى درجة اليقين مع دخول الحرب يومها الثاني عشر والقوات البرية الصهيونية ما تزال تراوح في مكانها في المناطق الغير مأهولة وتكتفي بالقصف والتدمير وقتل الشعب الأعزل فقط. وأصبح واضحاً أن خيار المقاومة ليس مراهقة سياسية أو طيشاً صبيانياً بقدر ما هو فعل استراتيجي يجب دعمه والعمل على تطويره. فإما أن قادة محور الاعتدال أغبياء إلى درجة عدم قدرتهم على قراءة هذا الفشل، أو أن مشكلتهم مع المقاومة لم تكن مجرد اختلاف في وجهات النظر من حيث اختيار الطريق الأمثل للتعامل مع الاحتلال الصهيوني، بل كانت المشكلة مع فكرة المقاومة ذاتها. وفي الحقيقة معهم كل الحق في ذلك، لأن هذه الفكرة هي بالضبط من سوف يسقط هذه الأنظمة ويستبدلها بأنظمة ديمقراطية تمثل تطلعات شعوبها. لذلك كانوا يحاولون كسر حماس سياسياً، تعويضاً عن ما لم يستطع الجيش المحتل فعله عسكرياً. حيث أنهم ومع بدء الحملة الجوية بدؤوا حملتهم التشهيرية بالمقاومة الفلسطينية من خلال تحميلها ذنب العدوان وأخذ الحديث عن طيشها واسترخاصها للدم الفلسطيني يملأ الصحف والفضائيات. كما أنهم حاولوا منح المزيد والمزيد من الوقت لجيش الاحتلال ليستطيع تحقيق مهمته في القضاء على المقاومة ممثلة بحماس، من خلال تعطيل أي طرح لقمة عربية طارئة ولأي قرار يمكن أن يتخذ في سبيل تحقيق مطالب الشعب الفلسطيني في غزة. حتى أنهم ألغوا في اجتماعهم الوزاري أي دور يمكن أن تقوم به الدول العربية من خلال إلقاء مهمة اتخاذ القرارات والإجراءات على مجلس الأمن. حتى أنهم شكلوا لجنة (ذهبت في اليوم الحادي عشر للعدوان!) إلى مجلس الأمن حاملة قراراً تعلم الدول العربية بشكل مسبق أنه لن يتم الموافقة عليه إطلاقاً لأنه يحمل إدانة صريحة وقاسية لإسرائيل، أي أنهم ذهبوا بقرار حق أريد به باطل. كما أن النظام المصري ومن ورائه بعض الأنظمة العربية استمر في حصار غزة من خلال الإغلاق شبه التام لمعبر رفح ورفض كل المطالبات والمناشدات بفتحه. فأصبح سكان غزة كما لو أنهم وضعوا في قفص مغلق ثم فتحت النار عليهم ليستسلموا. ثم كانت المحاولة الأخيرة، بعد أن فشلت المحاولات بالقضاء عليها، لجعل حماس تكف عن إطلاق الصواريخ مقابل وقف العدوان والوعد بمناقشة فتح المعابر من خلال المبادرة التي طرحها الرئيس المصري حسين مبارك، والتي تم رفضها عملياً من قبل حماس التي كان موقفها السياسي والعسكري يصبح أقوى يوماً بعد يوم. ومن أهم المؤشرات على ازدياد قوة المقاومة هو تزايد التأييد الشعبي العربي لها، بل ترافق هذا التأييد بغضب عارم اجتاح العواصم العربية إلى الدرجة التي جعلت البعض يتوقع سقوط النظام المصري (لقد سقط سياسياً بالفعل). أظهر هذا الغضب مدى احتقان الشارع العربي ومساحة الهوة التي تفصل بين النظام العربي الرسمي وبين الشعوب العربية، وكشف المقدار الحقيقي لتمثيل الأنظمة لشعوبها ومدى رضى هذه الأخيرة. لقد بدأت عجلة التغيير، فهل لهذا دور في المصالحة؟

لم يتغير أي شيء على الإطلاق بين قمة غزة في قطر وبين القمة الاقتصادية في الكويت سوى أن أولمرت أعلن وقفاً أحادياً لإطلاق النار، معلناً بشكل ضمني فشل العدوان في تحقيق أهدافه. مسوقاً إنجازاته استناداً على اتفاق أمني بين ليفني ورايس وعلى ضمانات كلامية من بعض القادة الأوروبيين. بين قمة لم يكتمل نصابها العربي وتعرضت لكل أشكال القذف والتشهير والتزوير منعاً لانعقادها وقمة تمت خلالها المصالحة، لم يحدث أي أمر سوى الفشل في قطع رأس المقاومة. وبالتالي فإنه من الوضوح بمكان اعتبار أن تحقق الفشل على الأرض وتعثر كل المحاولات هو سبب المصالحة. ولهذا فقط يجب الحذر من هكذا مصالحة.

لنتخيل الصورة معاً: عرض مصالحة شكلية لا يمكن أن تتحول إلى فعلية بسبب كم الحساسيات الشخصية قبل السياسية. تهدئة الأجواء واحتواء نصر المقاومة والالتفاف على حماس تحضيراً لجولة سياسية جديدة كاسحة ضدها. وبنفس الوقت تنفيس غضب الشارع العربي وصرف نظره عن الجولة القادمة حتى لا يشاكسهم كما فعل وساهم في فشل الجولة العسكرية.

إن أولى بشائر فخ المصالحة، هو الطريقة التي يراد بها ترجمة المصالحة العربية – العربية إلى مصالحة فلسطينية – فلسطينية. فقد تم أولاً التبرع بمبلغ هائل من المال ثم ربط مباشرة بين المصالحة وبين فتح معبر رفح، وبطبيعة الحال لن يتمكن المتبرعون من تقديم المال فعلياً إلى غزة إلا إذا تم فتح هذا المعبر. بكلام آخر، يراد هنا فرض شروط لا تناسب المقاومة وكانت رافضة لها من قبل وكانت تلك الشروط هي المسبب الرئيسي للمجزرة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني. وبالتالي توضع حماس بين خيارين: إما أن توافق على شروط المصالحة وبالتالي شروط فك الحصار، أي سوف يحقق العرب ما فشل الصهاينة بتحقيقه. أو أن يبقى المعبر مغلقاً بحجة عدم إنجاز المصالحة التي تعرقلها حماس بشروط لا يجب أن تكون لها الأولوية على إنقاذ الشعب الفلسطيني في غزة. وهكذا يتم تدريجياً سحب الشرعية التي كان يضفيها الشارع الفلسطيني والعربي على حماس لأنها تعيق دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة. وفي الواقع هذا وارد لأن من طبيعة الإنسان أن يصبر على الموت وقت الحرب أكثر من صبره على شظف العيش بعد توقف الحرب ووقت السلم.

وأرى أن هذا الفخ معضلة سياسية يجب على كل فصائل المقاومة ومن يدعمها وخاصة من المفكرين والمثقفين العرب الانتباه لها والعمل على إيجاد المخارج المناسبة لها. ومن أهم دعائم تلك المخارج هو كشف حقيقة أن فتح معبر رفح لا يجب أن يرتبط بالمصالحة، لأن إدخال المساعدات ومواد إعادة الإعمار لا يجب أن يخضع لاعتبارات سياسية ويمكن إدارتها من قبل عدة منظمات إنسانية متواجدة في القطاع ومنها الأونروا والهلال الأحمر. بالإضافة إلى الاستمرار في إشعال روح المقاومة لدى الشعوب العربية والحفاظ على التفافها حول هذا الفكر وتذكيرها بما ارتكبته الآلة العسكرية الصهيونية من مجازر بحق الغزيين العزل بتعاون وتواطؤ وعجز الأنظمة العربية التي هي نفسها تتصالح الآن.


مجازر غزة: صورة بمشاهد كثيرة

13 يناير 2009

منصات: 9/1/2009

لا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لنلاحظ أن الغالبية الساحقة من الناس وفي كل الدول العربية تمارس حياتها بشكل روتيني وطبيعي أثناء ارتكاب الكيان الصهيوني هذه المجازر في غزة، وكأن الأمر لا يعنيها. نعم، يوجد بعض الفروقات البسيطة والتي كسرت الروتين اليومي الطبيعي، فقد تركزت الأحاديث على بشاعة المجازر ودمويتها وتُختَتم عادة بالدعاء على إسرائيل والدعاء بالصبر والنصر لأهل غزة.

حسين غرير

palestinian

المشكلة الحالية هي أن إسرائيل تريد تغيير الواقع على الأرض

لا حاجة لنا هنا إلى إشارات تعجب لو أننا نظرنا إلى مستويات استجابة الناس لما يحصل في هذه الأثناء في غزة من زاوية تختلف عن تلك التي تفترض أن العدوان على غزة يقتضي بالضرورة التعاطف معها، والذي بدوره يجب أن يترجم إلى تحرك على الأرض.

إن مسألة ضرب غزة الآن لا تخرج، رغم وحشية المذابح، عن كونها تصعيد آخر في الخط البياني للمسألة الأكبر والتي هي احتلال فلسطين. فإسرائيل، ومنذ وجودها، تتحرك بين المستويات المختلفة للعدوان حسب مقتضيات الضرورة. وبالتالي أجد أن معظم الناس قد فهموا أدوار اللعبة جيداً واستطاعوا بخبراتهم الموروثة والمكتسبة أن لا يخدعوا بأن جديداً قد حصل، بل كل ما في الأمر أن إسرائيل اعتدت على الفلسطينيين بطريقة استفزت مشاعر الناس واستنفرت غضبهم. وما أولئك الذين يخرجون في المظاهرات بغافلين عن الأمر أيضاً، فبعضهم يخرج تنفيساً عن غضبه وبعضهم ليبرر لنفسه أنه فعل شيئاً وأنه لم يكن في الإمكان أفضل مما كان، والبعض الآخر يخرج في محاولة حقيقية للتغيير.

مجزرة غزة هي مجرد جزء من صورة أشمل تمثل المشكلة بكافة تفاصيلها وأبعادها، والجماهير استطاعت أن تعي تماماً أن صورةً ما كبيرة هي ما يجب رؤيته وتحليله وليس فقط هذا الجزء الظاهر للعيان الآن. هي لا تعرف كيف استطاعت أن تعي ذلك ولا تعرف كيف يمكن رؤية الصورة الأكبر، لذلك غالباً ما تلجأ إلى طلب الحل من الزعماء أو تلجأ إلى الله بصفته القادر على كل شيء. وتدرك إسرائيل وكل من يساندها ويتواطأ معها من حكومات غربية وعربية هذه الحقيقة، وحتى أن بعض الحكومات العربية والأحزاب المعارضة العربية والتي تعادي إسرائيل، تستغل عدم قدرة الجماهير على إدراك الصورة الأكبر لتشتت انتباهها عنها وتبذل كل جهدها في سبيل التركيز على هذا الجزء، بل وتبالغ في تعاطفها مع الواقع الآني الأسود حتى تُنسي الناس أنه مجرد جزء. وفعلاً، نجحوا في ذلك إلى حد كبير واستطاعوا صرف أنظار المثقفين والناشطين عن الحقيقة وعن باقي المشهد، فتراكض الجميع إلى طلب وقف المجازر وحرصوا على تقديم ومتابعة أخبار المساعدات الإنسانية إلى أهالي غزة المنكوبين.

كما أن الحاجة ملحة لتقديم المساعدات الإنسانية والوصول إلى وقف المجازر (يسمى وقف إطلاق النار)، فهي ملحة أيضاً أن نعمل على فهم المشكلة برمتها وفهم ما نريده وما يتوجب على كل طرف من الأطراف فعله، لا أن نكتفي بالتنديد بالصمت العربي والدولي ونطالبهم بالتحرك لفعل أمر ما لوقف هذا النزيف. ماذا إن لعبت إحدى دول محور الاعتدال العربي دوراً أساسياً في وقف إطلاق النار؟ هل نبارك لها عملها، أم يجب أن نفهم أنها وفي لحظة معينة أجبرت على اتخاذ هكذا موقف، أو أن التوازنات الدولية في تلك اللحظة اقتضت وقف لإطلاق النار؟ هل تحل بذلك المشكلة؟

المشكلة الحالية هي أن إسرائيل تريد تغيير الواقع على الأرض، أي تريد القضاء على حماس أو سلطتها في غزة، وهذا هو الهدف المعلن والحقيقي لهذا العدوان، وتطالب العديد من الدول العربية والغربية حماس بالتخلي عن المقاومة (يقولون عنه عدم إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل)، وحماس هذه ليست سوى حركة ولدت من رحم شعب تعرض ويتعرض كل يوم لكافة أنواع الممارسات القمعية الإجرامية من قبل كيان الاحتلال الإسرائيلي. أي أن القضاء على حماس أو إضعافها يعني قتل قيادييها وتفرقة صفوفها وشل مؤسساتها. لكن يستحيل (بل هي أضغاث أحلام) تصفية كل كوادر حماس وكل كوادر الفصائل المسلحة الأخرى، ولأن سبب وجود حماس وباقي الفصائل (أي المقاومة) لم ينتف فسوف تعمل على إعادة تشكيل نفسها من جديد وسوف تخلق حركات وفصائل أخرى وربما أكثر تطوراً من حيث ممارستها لقواعد اللعبة وبالتالي تلحق ضرراً أكبر بإسرائيل.

ثم ماذا؟ نعود مرة أخرى للحديث عن مجازر ترتكب بحق الفلسطينيين في كل من غزة والضفة الغربية (مجازر جنين في 2002 لم ولن تنسى بعد)، ونعود مرة أخرى للغضب واتهام بعض الأنظمة العربية بالتآمر وبعضها بالتواطؤ وبعضها بالعجز (وهذا هو الواقع بكل الأحوال) ونطالب باجتماع طارئ لوقف إطلاق النار وبعد الوصول إلى نقطة معينة في لعبة عض الأصابع تعلن الأمم المتحدة عن وقف فوري (بعد 33 يوم مثلاً) لإطلاق النار، ويرتاح بذلك ضميرنا ويلتئم جرح إنسانيتها. ثم ننسى لماذا بدأ القتل أساساً.

إذا استطعنا أن نعي الصورة الكاملة والتي يشكل وجود الاحتلال الاستعماري الصهيوني أحد مشاهدها الأساسية، لاستطعنا أن نفهم لماذا لا أحد يريدنا أن نفهم هذه الصورة لأنها سوف تكشف لنا أهم مشهد في الصورة والذي ُيظهر تواطؤ أو عدم رغبة أو في أحسن الأحوال عجز الحكومات العربية عن الفعل. أما آخر المشاهد الرئيسية في الصورة فهو انعدام الثقة والأمل عند الجماهير وبالتالي إصابتها بالشلل وعدم القدرة والرغبة بمحاولة تغيير باقي المشاهد الأخرى


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.